الفيض الكاشاني

267

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وكنت فيها معذّبا بالحسد فما قنعت بذلك حتّى أضفت إليه عذابا في الآخرة فكنت خاسرا في الدّنيا فجعلت نفسك أيضا خاسرا في الآخرة لتجمع بين نكالين فقد قصدت محسودك فأصبت نفسك وأهديت إليه حسناتك ، فإذا أنت صديقه وعدوّ نفسك إذ لا تضرّه غيبتك وتضرّك ، وتنفعه إذ تنقل إليه حسناتك أو تنقل إليك سيّئاته ولا تنفعك ، فقد جمعت إلى خبث الحسد جهل الحماقة ، وربّما يكون حسدك وقدحك سبب انتشار فضل محسودك فقد قيل : وإذا أراد اللَّه نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان حسود وأمّا الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند اللَّه تعالى وعند الملائكة والنبيّين فلو تفكَّرت في حسرتك وجنايتك وخجلتك وخزيك يوم تحمل سيّئات من استهزأت به وتساق إلى النّار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك ولو عرفت حالك لكنت أولى أن تضحك منك فإنّك سخرت به عند نفر قليل وعرضت نفسك لأن يأخذ بيدك في القيامة على ملأ من النّاس ويسوقك تحت سيّئاته كما يساق الحمار إلى النّار مستهزءا بك وفرحا بخزيك ومسرورا بنصر اللَّه تعالى إيّاه وتسليطه على الانتقام منك . وأمّا الرّحمة له على إثمه فهو حسن ولكن حسدك إبليس فاستنطقك بما تنقل من حسناتك إليه ما هو أكثر من رحمتك فيكون جبرا لإثم المرحوم فيخرج عن كونه مرحوما وتنقلب أنت مستحقّا لأن تكون مرحوما إذ أحبط أجرك ونقصت من حسناتك وكذلك الغضب للَّه لا يوجب الغيبة وإنّما الشيطان حبّب إليك الغيبة ليحبط أجر غضبك وعملك وتصير متعرّضا لمقت اللَّه تعالى بالغيبة . وأمّا التعجّب إذا أخرجك إلى الغيبة فينبغي أن تتعجّب من نفسك أنّك كيف أهلكت دينك بدين غيرك أو بدنياه وأنت مع ذلك لا تأمن عقوبة الدّنيا وهو أن يهتك اللَّه سترك كما هتكت بالتعجّب ستر أخيك فإذن علاج جميع ذلك المعرفة فقطَّ والتحقّق بهذه الأمور الَّتي هي من أبواب الإيمان فمن قوي إيمانه بجميع ذلك انكفّ لسانه عن الغيبة لا محالة